ابن كثير

354

البداية والنهاية

وقال ابن الأعرابي : سأل رجل ابن أبي دؤاد أن يحمله على عير فقال : يا غلام اعطه عيرا وبغلا وبرذونا وفرسا وجارية . وقال له : لو أعلم مركوبا غير هذا لأعطيتك . ثم أورد الخطيب بأسانيده عن جماعة أخبارا تدل على كرمه وفصاحته وأدبه وحلمه ومبادرته إلى قضاء الحاجات ، وعظيم منزلته عند الخلفاء . وذكر عن محمد المهدي بن الواثق أن شيخا دخل يوما على الواثق فسلم فلم يرد عليه الواثق بل قال : لا سلم الله عليك . فقال : يا أمير المؤمنين بئس ما أدبك معلمك . قال الله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) [ النساء : 86 ] فلا حييتني بأحسن منها ولا رددتها . فقال ابن أبي دؤاد يا أمير المؤمنين الرجل متكلم . فقال : ناظره . فقال ابن أبي دؤاد : ما تقول يا شيخ في القرآن أمخلوق هو ؟ فقال الشيخ : لم تنصفني ، المسألة لي . فقال : قل . فقال : هذا الذي تقوله علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو ما علموه ؟ فقال ابن أبي دؤاد : لم يعلموه . قال : فأنت علمت ما لم يعلموا ، فخجل وسكت . ثم قال أقلني بل علموه ، قال : فلم لا دعوا الناس إليه كما دعوتهم أنت ، أما يسعك ما وسعهم ؟ فخجل وسكت وأمر الواثق له بجائزة نحو أربعمائة دينار فلم يقبلها . قال المهدي : فدخل أبي المنزل فاستلقى على ظهره وجعل يكرر قول الشيخ على نفسه ويقول : أما وسعك ما وسعهم ؟ ثم أطلق الشيخ وأعطاه أربعمائة دينار ورده إلى بلاده ، وسقط من عينيه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن بعده أحدا . ذكره الخطيب في تاريخه بإسناد فيه بعض من لا يعرف ، وساق قصته مطولة . وقد أنشد ثعلب عن أبي حجاج الأعرابي أنه قال في أبي دؤاد : نكست الدين يا بن أبي دؤاد * فأصبح من أطاعك في ارتداد زعمت كلام ربك كان خلقا * أما لك عند ربك من معاد كلام الله أنزله بعلم * على جبريل إلى خير العباد ( 1 ) ومن أمسى ببابك مستضيفا * كمن حل الفلاة بغير زاد لقد أطرفت يا بن أبي دؤاد * بقولك إنني رجل إيادي ثم قال الخطيب : أنبأ القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال : أنشدنا المعافى بن زكريا الجريري عن محمد بن يحيى الصولي لبعضهم يهجو ابن أبي دؤاد : لو كنت في الرأي منسوبا إلى رشد * وكان عزمك عزما فيه توفيق وقد تقدمت هذه الأبيات . وروى الخطيب عن أحمد بن الموفق أو يحيى الجلاء أنه قال : ناظرني رجل من الواقفية في خلق القرآن فنالني منه ما أكره ، فلما أمسيت أتيت امرأتي فوضعت لي العشاء فلم أقدر أن أنال منه شيئا ، فنمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الجامع وهناك حلقة فيها أحمد بن حنبل وأصحابه ، فجعل

--> ( 1 ) كذا بالأصل والوزن غير مستقيم .